ه‍.ش. ۱۳۸۹ مرداد ۱۲, سه‌شنبه

ولایت فقیه از دیدگاه آیت الله العظمی حاج آقا حسین بروجردی


گویی ولی شناسان رفتند از این ولایت...
مجموعه ی مقالاتی در زمینه ی
بازخوانی نظریه ی ولایت فقیه در آثار بانیان آن
http://menu.bitc.ir/Ayatolah/card3.jpg
به انتخاب و توضیح
محمد صادق هنرور شجاعی خویی
فصل یکم
 ولایت فقیه از دیدگاه آیت الله العظمی حاج آقا حسین بروجردی - 1
درس های خارج فقه معظم له
(البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر)





إشارة إجمالية إلى ولاية الفقيه و حدودها:
أقول: للبحث عن ولاية الفقيه و حدودها محل آخر. و عمدة ما يستدل بها لولاية مقبولة عمر بن حنظلة، و رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، فنحن نذكرهما تيمنا ثم نشير إلى القدر المتيقن من ولاية الفقيه و حكومته، أعني ما يساعده الأدلّة، و نحيل التفصيل فيها إلى مظانّ البحث عنها. [1] فنقول: روى الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة، قال:
سألت أبا عبد الله عليهم السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟ فقال: «من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنّما يأخذ سحتا و إن كان حقّه ثابتا، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت و قد أمر الله عزّ و جلّ أن يكفر به.» قلت: كيف يصنعان؟ قال: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ و علينا ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على الله و هو على حدّ الشرك بالله.» و عن الحسين بن محمد، عن معلّى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبي خديجة، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل‏
__________________________________________________
 [1] للمقرّر- مدّ ظلّه العالي- تحقيقات مستوفاة في هذا الشأن قد طبعت في 4 مجلدات باسم «دراسات في ولاية الفقيه و فقه الدّولة الإسلامية»، فليراجع.

                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 73
الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه.» [1] إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ إثبات ولاية الفقيه و بيان الضابطة الكلية لما يكون من شئون الفقيه و من حدود ولايته يتوقف على تقديم أمور:
الأوّل: إنّ في الاجتماع أمورا لا تكون من وظائف الأفراد و لا ترتبط بهم، بل تكون من الأمور العامّة الاجتماعية التي يتوقف عليها حفظ نظام الاجتماع، مثل القضاء و ولاية الغيّب و القصّر و بيان مصرف اللقطة و المجهول المالك و حفظ
__________________________________________________
 [1] الوسائل 18- 4 (ط. أخرى 27- 13)، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديثان 4 و 5، و الكافي 7- 412. و رواهما الشيخ أيضا في التهذيب- ج 6 ص 219- 218- مثله سندا و متنا إلّا أنه ذكر في الخبر الأوّل بدل محمد بن الحسين محمد بن الحسن بن شمون، و في الثاني بدل قضائنا قضايانا. و للخبر الأوّل ذيل مفصل يرتبط بباب تعارض الخبرين و علاجه، ذكره مع ذيله في التهذيب 6- 301، و أصول الكافي المطبوع جديدا ج 1 ص 67، و الذيل فقط في الفقيه ج 3 ص 9، فراجع.
ثم لا يخفى أنّ رواية أبي خديجة بصدد بيان شرائط القاضي لا الحاكم بمعنى السائس و الزعيم. و لعلّ الظاهر من رواية عمر بن حنظلة أيضا ذلك و لا سيما بقرينة الصدر، اللهم إلّا أن يقال باستفادة الحكومة المطلقة من لفظة «على»، إذ لا استعلاء للقاضي على المترافعين، فكأنه قال: فارضوا بقضائه، لأنّي جعلته حاكما عليكم و من شئون الحكومة القضاء، فتأمّل.
ثم إنّه يستفاد من الروايتين أنه يعتبر في القاضي أمران:
الأوّل: أن يكون إماميا مرضيا. و يدلّ على ذلك سياق الكلام و قوله: «منكم».
الثاني: أن يكون مجتهدا. و يدل عليه مواضع من كلامه عليه السلام. منها: قوله: «نظر.» و منها:
قوله: «عرف أحكامنا». حيث إنّ الظاهر منه اعتبار كونه عارفا بمذاق الأئمة عليهم السلام في المسائل الشرعية، بحيث يميز (من بين الأخبار المتشتتة المتعارضة) ما صدرت لبيان حكم الله مما أعطيت من جراب النورة، و هذا المعنى يستدعي الممارسة في أخبارهم و الإحاطة على رجالها و على آراء المخالفين و الظروف التي صدر فيها الأخبار عنهم عليهم السلام، كما لا يخفى وجهه. و منها: قوله في ذيل رواية ابن حنظلة في علاج التعارض: «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما.» إذ يستفاد من ذلك اعتبار أصل الفقاهة. ح ع- م.
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 74
الانتظامات الداخلية و سدّ الثغور و الأمر بالجهاد و الدفاع عند هجوم الأعداء و نحو ذلك مما يرتبط بسياسة المدن. فليست هذه الأمور مما يتصادها كلّ أحد، بل تكون من وظائف قيم الاجتماع و من بيده أزمة الأمور الاجتماعية و عليه أعباء الرئاسة و الخلافة.
الثاني: لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام و ضوابطه في أنّه دين سياسي اجتماعي، و ليست أحكامه مقصورة على العباديات المحضة المشروعة لتكميل الأفراد و تأمين سعادة الآخرة، بل يكون أكثر أحكامه مربوطة بسياسة المدن و تنظيم الاجتماع و تأمين سعادة هذه النشأة، أو جامعة للحسنيين و مرتبطة بالنشأتين، و ذلك كأحكام المعاملات و السياسات من الحدود و القصاص و الديات و الأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات و الأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الإسلام كالأخماس و الزكوات و نحوهما [1]. و لأجل ذلك اتفق الخاصة و العامّة على أنّه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس و زعيم يدبّر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام و إن اختلفوا في شرائطه و خصوصياته و أن تعيينه من قبل رسول الله صلّى الله عليه و آله أو بالانتخاب العمومي.
الثالث: لا يخفى أنّ سياسة المدن و تأمين الجهات الاجتماعية في دين الإسلام لم تكن منحازة عن الجهات الروحانية و الشؤون المربوطة بتبليغ الأحكام و إرشاد المسلمين، بل كانت السياسة فيه من الصدر الأوّل مختلطة بالديانة و من شئونها،
__________________________________________________
 [1] كيف! و دين الإسلام خاتم الأديان و قد شرع فيه الأحكام الجميع الأمصار في جميع الأعصار إلى يوم القيامة، و جميع ما يحتاج إليه البشر من أوّل انعقاد نطفته إلى حين الوفاة، بل و بعدها، و جميع حركاته و سكناته مما جعل مطرحا لنظر شارع الإسلام و شرع له حكما من الأحكام. فهل الشارع الذي تصدى لبيان آداب الأكل و الشرب بخصوصياتهما و آداب الجماع و التخلي و أمثالهما أهمل الأمور المهمة التي يتوقف عليها انتظام أمر المعاش و المعاد و يختلّ بدونها النظام؟ ح ع- م.
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 75
فكان رسول الله صلّى الله عليه و آله بنفسه يدبّر أمور المسلمين و يسوسهم و يرجع إليه فصل الخصومات و ينصب الحكّام للولايات و يطلب منهم الأخماس و الزكوات و نحوهما من الماليات، و هكذا كان سيرة الخلفاء بعده من الراشدين و غيرهم، حتى أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه بعد ما تصدى للخلافة الظاهرية كان يقوم بأمور المسلمين و ينصب الحكّام و القضاء للولايات. و كانوا في بادئ الأمر يعملون بوظائف السياسة في مراكز الإرشاد و الهداية كالمساجد، فكان إمام المسجد بنفسه أميرا لهم، و بعد ذلك أيضا كانوا يبنون المسجد الجامع قرب دار الإمارة، و كان الخلفاء و الأمراء بأنفسهم يقيمون الجمعات و الأعياد بل و يدبّرون أمر الحج أيضا، حيث إنّ العبادات الثلاث مع كونها عبادات قد احتوت على فوائد سياسية لا يوجد نظيرها في غيرها، كما لا يخفى على من تدبّر. و هذا النحو من الخلط بين الجهات الروحية و الفوائد السياسية من خصائص دين الإسلام و امتيازاته.
الرابع: قد تلخّص مما ذكرناه:
1- أنّ لنا حوائج اجتماعية تكون من وظائف سائس الاجتماع و قائده.
2- و أنّ الديانة المقدسة الإسلامية أيضا لم يهمل هذه الأمور بل اهتم بها أشدّ الاهتمام و شرّعت بلحاظها أحكامها كثيرة و فوّضت إجراءها إلى سائس المسلمين.
3- و أنّ سائس المسلمين في الصدر الأوّل لم يكن إلّا نفس النبي صلّى الله عليه و آله ثم الخلفاء بعده.
و حينئذ فنقول: إنّه لمّا كان من معتقداتنا معاشر الشيعة الإمامية أن خلافة رسول الله صلّى الله عليه و آله و زعامة المسلمين من حقوق الأئمة الاثني عشر عليهم صلوات الله و أن رسول الله صلّى الله عليه و آله لم يهمل أمر الخلافة بل عيّن لها من بعده عليّا عليه السلام ثم انتقلت منه إلى أولاده، عترة رسول الله صلّى الله عليه و آله، و كان تقمّص الباقين و تصديهم لها غصبا
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 76
لحقوقهم، [1] فلا محالة كان المرجع الحق لتلك الأمور الاجتماعية التي يبتلى بها
__________________________________________________
 [1] لا يخفى أنّ مقتضى الأصل الأوّلي عدم الحكومة و الولاية بأنحائها لأحد على أحد، إذ بحسب التكوين و الخلقة كلّ فرد منحاز عن غيره و مستقل بذاته، فبأيّ ملاك يتسلط أحد الفردين على الآخر و ينفذ حكمه في حقه مع وجود العزلة التكوينية بينهما؟ فجميع الناس بحسب الأصل الأوّلي- إذ لوحظ بعضهم بالنسبة إلى بعض آخر- أحرار مستقلون، و إذا حكم بعضهم على بعض و تسلط عليه يراه الوجدان تعديا و ظلما.
فالحكومة و السلطنة بل و المالكية الظاهرية إنّما تتحقق في وعاء الاعتبار و تنفذ بحسب الوجدان بتبع السلطنة و المالكية الحقيقية التكوينية.
فالوجدان إنّما يلزم المملوك على إطاعة من يملك ذاته، و لا يرى له التخلف عن أوامره و نواهيه.
و لا مالك في عالم الوجود إلّا الله تعالى، فهو مالك لعبيدة بشراشر ذواتهم مالكية تكوينية، لكونهم متقومي الذات بذاته. فالعقل يحكم بوجوب إطاعة البارئ و كونه مسلطا على عبيده يحكم فيهم ما يشاء و يفعل ما يريد، و لا يشاركه في ذلك أحد حتى الأنبياء و الرسل، فإنّ صرف جعل منصب النبوّة و الرسالة لهم لا يقتضي تسلطهم على النفوس الناس و أعراضهم بل مقتضاه كونهم سفراء بين الله و بين خلقه في تبليغ الأحكام.
فالحكومة التي يحكم الوجدان بحقيقتها و نفوذها إنّما هي لله تعالى بتبع مالكيته التكوينية.
و قد أشار بذلك في مواضع من كتابه الكريم:
منها: قوله في سورة المائدة، الآية 44 وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و الآية 45 وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ و الآية 47 وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ و الآية 50 أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ و في سورة المؤمن، الآية 12 فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ و نحو ذلك من الآيات الكثيرة. هذا.
و لكن له تعالى أن يجعل غيره خليفة له في ذلك و إماما للناس من قبله بحيث يجب على الناس أن يأتموا به و يطيعوا أمره. و يكون هذه الإطاعة أيضا بنظر الوجدان من شئون إطاعة الله تعالى، و قد أشار بذلك أيضا في القرآن، حيث قال في سورة ص، الآية 26 يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ففرّع حاكمية داود على جعله خليفة من قبله.
و هذا المنصب يعلو شرفا على منصب النبوّة و الرسالة بمراتب، لاقتضائه تسلطا على المجتمع لا يقتضيها ذاك كما عرفت.
                       
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 77
جميع المسلمين هو الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام و كانت من وظائفهم الخاصّة مع القدرة عليها.
فهذا أمر يعتقده جميع الشيعة الإمامية، و لا محالة كان مركوزا في أذهان أصحاب الأئمة عليهم السلام أيضا. فكان أمثال زرارة و محمّد بن مسلم من فقهاء أصحاب الأئمة و ملازميهم لا يرون المرجع لهذه الأمور و المتصدي لها عن حق إلّا الأئمة أو من نصبوهم لها، و لذلك كانوا يراجعون إليهم فيما يتفق لهم مهما أمكن كما يعلم ذلك بمراجعة أحوالهم.
__________________________________________________
نعم يمكن أن يجتمع المنصبان لشخص واحد بجعله تعالى، و قد جعل الله تعالى عدّة من أنبيائه أئمة للناس، كما صرح ببعضهم في القرآن، و قال في سورة الأحزاب، الآية 6 في حق نبينا صلّى الله عليه و آله النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فجعل له منصب الولاية و الحكومة على الناس، و هذا منصب غير منصب النبوة.
و بالجملة الوجدان لا يلزم أحد على إطاعة غيره إلّا إذا كان الغير مالكا له بالمالكية الحقيقية أو منصوبا من قبل المالك من جهة أنّ إطاعة المنصوب أيضا من شئون إطاعته.
و بما ذكرنا يظهر أنّ سائس المسلمين و زعيمهم يجب أن يتعين من قبل الله تعالى بتعيين رسوله صلّى الله عليه و آله و تصريح منه، كما قال صلّى الله عليه و آله في حديث الغدير- بعد ما أخذ بيد علي عليه السلام-:
 «أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: الله و رسوله أعلم. قال: «إنّ الله مولاي و أنا مولى المؤمنين و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه.» (الغدير ج 1 ص 11).
و أمّا الانتخاب العمومي فلا يغني عن الحق شيئا و لا يلزم الوجدان أحدا على إطاعة منتخب الأكثرية، إذ المنتخب بمنزلة الوكيل، و الموكّل ليس ملزما على إطاعة وكيله بل له أن يعز له مهما شاء. هذا بالنسبة إلى الأكثرية، و أمّا بالنسبة إلى الأقلية فالأمر أوضح، إذ لا يجب على أحد بحسب الوجدان أن يطيع وكيل غيره. و على هذا فيختل النظام، فلا بد التنظيم الاجتماع من وجود سائس يجب بحسب الوجدان إطاعته و ينفذ حكمه و لو كان بضرر المحكوم عليه، و ليس ذلك إلّا من كانت حكومته و ولايته بتعيين الله تعالى و من شئون سلطنته المطلقة و لو بوسائط كالفقيه العادل المنصوب من قبل الأئمة عليهم السلام المتعينين بتعيين رسول الله صلّى الله عليه و آله الذي جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم. و بما ذكرنا انهدم أساس خلافة الثلاثة و أركان الحكومات المتداولة غير المنتهية إلى جعل الله تعالى، فافهم و اغتنم. ح ع- م.
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 78
إذا عرفت هذه المقدمات فنقول: إنّه لمّا كان هذه الأمور و الحوائج الاجتماعية مما يبتلى بها الجميع مدّة عمرهم غالبا و لم يكن الشيعة في عصر الأئمة متمكنين من الرجوع إليهم عليهم السلام في جميع الحالات- كما يشهد بذلك مضافا إلى تفرقهم في البلدان عدم كون الأئمة مبسوطي اليد بحيث يرجع إليهم في كلّ وقت لأيّ حاجة اتفقت- فلا محالة يحصل لنا القطع بأن أمثال زرارة و محمد بن مسلم و غيرهما من خواصّ الأئمة سألوهم عمن يرجع إليه في مثل تلك الأمور إذا لم يتمكنوا منهم عليهم السلام، و نقطع أيضا بأنّ الأئمة عليهم السلام لم يهملوا هذه الأمور العامّة البلوى التي لا يرضى الشارع بإهمالها، بل نصبوا لها من يرجع إليه شيعتهم إذا لم يتمكنوا منهم عليهم السلام، و لا سيما مع علمهم عليهم السلام بعدم تمكن أغلب الشيعة من الرجوع إليهم بل عدم تمكّن الجميع في عصر غيبتهم التي كانوا يخبرون عنها غالبا و يهيئون شيعتهم لها. و هل لأحد أن يحتمل أنّهم عليهم السلام نهوا شيعتهم عن الرجوع إلى الطواغيت و قضاة الجور و مع ذلك أهملوا لهم هذه الأمور و لم يعينوا من يرجع إليه الشيعة في فصل الخصومات و التصرف في أموال الغيب و القصّر و الدفاع عن حوزة الإسلام و نحو ذلك من الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها؟
و كيف كان فنحن نقطع بأنّ أصحاب الأئمة عليهم السلام سألوهم عمّن يرجع إليه الشيعة في تلك الأمور مع عدم التمكّن منهم عليهم السلام و أنّ الأئمة عليهم السلام أيضا أجابوهم بذلك و نصبوا للشيعة مع عدم التمكن منهم عليهم السلام أشخاصا يتمكنون منهم إذا احتاجوا، غاية الأمر سقوط تلك الأسئلة و الأجوبة من الجوامع التي بأيدينا و لم يصل إلينا إلّا ما رواه عمر بن حنظلة و أبو خديجة.
و إذا ثبت بهذا البيان النصب من قبلهم عليهم السلام و أنهم لم يهملوا هذه الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها- و لا سيّما مع إحاطتهم بحوائج شيعتهم في عصر الغيبة- فلا محالة يتعين الفقيه لذلك، إذ لم يقل أحد بنصب غيره. فالأمر يدور بين‏
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 79
عدم النصب و بين نصب الفقيه العادل، و إذا ثبت بطلان الأوّل بما ذكرناه صار نصب الفقيه مقطوعا به، و يصير مقبولة ابن حنظلة أيضا من شواهد ذلك.
و إن شئت ترتيب ذلك على النظم القياسي فصورته هكذا: إمّا أنه لم ينصب الأئمة عليهم السلام أحدا لهذه الأمور العامّة البلوى و إمّا أن نصبوا الفقيه لها، لكن الأوّل باطل فثبت الثاني. فهذا قياس استثنائي مؤلّف من قضية منفصلة حقيقة و حملية دلّت على رفع المقدم، فينتج وضع التالي، و هو المطلوب.
و بما ذكرناه يظهر أن مراده عليه السلام بقوله في المقبولة: «حاكما» هو الذي يرجع إليه في جميع الأمور العامّة الاجتماعية التي لا تكون من وظائف الأفراد و لا يرضى الشارع أيضا بإهمالها- و لو في عصر الغيبة و عدم التمكن من الأئمة عليهم السلام- و منها القضاء و فصل الخصومات. و لم يرد به خصوص القاضي، و لو سلّم فنقول: إن المترائى من بعض الأخبار أنه كان شغل القضاء ملازما عرفا لتصدي سائر الأمور العامّة البلوى كما في خبر إسماعيل بن سعد عن الرضا عليه السلام: «و عن الرجل يموت بغير وصية و له ورثة صغار و كبار، أ يحلّ شراء خدمه و متاعه من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك؟» «1» و بالجملة كون الفقيه العادل منصوبا من قبل الأئمة عليهم السلام لمثل تلك الأمور العامّة المهمة التي يبتلى بها العامّة مما لا إشكال فيه إجمالا بعد ما بيناه، و لا نحتاج في إثباته إلى مقبولة ابن حنظلة، غاية الأمر كونها أيضا من الشواهد، فتدبّر.
بقي الإشكال في أنّه هل يكون إقامة الجمعة أيضا من قبيل هذه الأمور المفوّضة إلى الفقيه قطعا أو لا؟
يمكن أن يقال: إن الأمور التي ترتبط بالإمام و تعدّ من وظائفه على صنفين:
صنف منها من وظائف الإمام إذا كان مبسوط اليد كحفظ الانتظامات الداخلية
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 80
و سدّ ثغور المملكة و الأمر بالجهاد و الدفاع و نحو ذلك، و صنف منها من وظائفه و لو لم يكن مبسوط اليد إذا أمكنه القيام به و لو بالتوكيل و الإرجاع إلى غيره، و ذلك كالأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها كيفما كان، كالتصرف في أموال اليتامى و المجانين و الغيّب، و كالقضاء بين الناس و نحو ذلك.
و الظاهر أنّ إقامة الجمعة من الصنف الأوّل، كما يستفاد من التعليل الوارد لها في رواية فضل بن شاذان السابقة، حيث قال: «فإن قال: فلم جعلت الخطبة؟ قيل:
لأنّ الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم (إلى أن قال:) و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق».
و إذا ثبت كون إقامة الجمعة من وظائف الإمام عليه السلام إذا كان مبسوط اليد فقط أو شكّ في كونها من هذا القبيل أو من قبيل القسم الثاني لم يثبت للفقيه رخصة في إقامتها، إذ القدر المتيقن من أدلّة، ولايته من قبل الإمام عليه السلام في خصوص الصنف الثاني من وظائف الإمام أعني الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بإهمالها كيفما كان، فاستفادة الترخيص في إقامتها من أدلّة ولاية الفقيه مشكل.
هذا مضافا إلى أن إرجاع إقامة الجمعة إلى الفقيه بنحو الإطلاق مظنة وقوع التنازع و الفساد كما لا يخفى بخلاف النصب الخاص. نعم الظاهر أنّ ما أفتى به الشيخ و تبعه في الدروس من كون الفقهاء مأذونين في إقامتها لا مدرك له سوى توهم كونه مشمولا لأدلّة ولاية الفقيه.
إن قلت: شمول أدلة ولاية الفقيه لما نحن فيه يقتضي وجوب إقامتها تعيينا إذ التمكن من المنصوب مثل التمكن من الإمام عليه السلام، فلم حكموا بالوجوب التخييري؟
قلت: لعلّه من جهة أنّ عدم وجوبها تعيينا في زمان الغيبة كان مفروغا عنه عندهم، إذ لو كانت واجبة بالوجوب التعييني لعلمه الفقهاء من أصحاب الأئمة عليهم السلام و وصل منهم إلينا يدا بيد مع شدة الابتلاء بها كسائر المسائل المتلقاة من الأئمة عليهم السلام‏
                        البدر الزاهر في صلاة الجمعة و المسافر، ص: 81
الواصلة إلينا بنقل السلف، بداهة أنّ سلسلة فقه الإمامية لم تنقطع و لم تحصل بين أرباب الحديث و الفقه من أصحاب الأئمة عليهم السلام و تابعيهم و بين أعصارنا فترة قط، بل كان في كلّ عصر يلقي الأساتذة و المشايخ إلى تلامذتهم جميع ما تلقوه من أسلافهم، بل لو كان وجوب إقامة الجمعة من الواجبات التعيينية حتى في هذه الأعصار لصار من الضروريات مثل وجوب غيرها من الصلوات اليومية و لم يحتج إلى البحث و الاستدلال، فافهم و تأمل.

هیچ نظری موجود نیست:

ارسال یک نظر

خطایی در این ابزارک وجود داشت